سيد محمد طنطاوي

35

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أخرى أَوْ دَماً مَسْفُوحاً « 1 » وهي خاصة . والآية التي معنا عامة . والخاص مقدم على العام . وكان أهل الجاهلية يجعلونه في الماعز ويشوونه ويأكلونه ، فحرمه اللَّه - تعالى - لأنه يضر الأجسام . أما الدم الذي يكون جامدا بأصل خلقته كالكبد والطحال فإنه حلال كما جاء في حديث ابن عمر الذي سقناه منذ قليل . وثالث هذه المحرمات ما جاء في قوله - تعالى - * ( ولَحْمُ الْخِنْزِيرِ ) * أي : وحرم عليكم لحم الخنزير وكذلك شحمه وجلده وجميع أجزائه ، لأنه مستقذر تعافه الفطرة ، وتتضرر به الأجسام . وخص لحم الخنزير بالذكر مع أن جميع أجزائه محرمة لأنه هو المقصود بالأكل قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله - تعالى - : * ( ولَحْمُ الْخِنْزِيرِ ) * يعنى إنسيه ووحشيه ، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم . كما هو المفهوم من لغة العرب ، ومن العرف المطرد . . وفي الصحيحين أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « إن اللَّه حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام . فقيل : يا رسول اللَّه ، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ، وتدهن بها الجلود . ويستصبح بها الناس ؟ فقال : لا . هو حرام : ثم قال : قاتل اللَّه اليهود . إن اللَّه لما حرم شحومها جملوه - أي أذابوه - ثم باعوه فأكلوا ثمنه » « 2 » . ورابع هذه المحرمات بينه - سبحانه - بقوله : * ( وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِه ) * . الإهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال ثم استعمل لرفع الصوت مطلقا . ومنه : إهلال الصبى أي : صراخه بعد ولادته ، والإهلال بالحج أي رفع الصوت بالتلبية . وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم ، سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ورفعوا بها أصواتهم ، وسمى ذلك إهلالا . ثم توسع فيه فقيل لكل ذابح : مهل سمى أو لم يسم . جهر بالتسمية أو لم يجهر . والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا مما ذبح فذكر عليه عند ذبحه غير اسم اللَّه تعالى - سواء اقتصر على ذكر غيره كقوله عند الذبح باسم الصنم فلان ، أو باسم المسيح أو عزير أو فلان ، أو جمع بين ذكر اللَّه وذكر غيره بالعطف عليه كقوله : باسم اللَّه واسم فلان . أما إذا جمع الذابح بين اسم اللَّه واسم غيره بدون عطف بأن قال : باسم اللَّه المسيح نبي اللَّه ، أو باسم اللَّه محمد رسول اللَّه ، فالأحناف يجوزون الأكل من الذبيحة ويعتبرون ذكر غير اللَّه كلاما مبتدأ بخلاف العطف فإنه يكون نصا في ذكر غير اللَّه .

--> ( 1 ) الآية 145 من سورة الأنعام . ( 2 ) ابن كثير ج 2 ص 7